الخميس، 20 أغسطس 2020

بقلم .. الشاعر / محمد محمود غدية / .. من روائعه // فتاة الإعلان //

 قصة قصيرة :

بقلم محمد محمود غدية
( فتاة الإعلان )

وجه المدير مليء بالغضب الذي لو وزع علي الكون كله‏ يكفي ويفيض‏، وهو يطلب منه ملف زميله حسني لتحويله للشئون القانونية لغيابه المفاجئ‏ دون تقديم إخطار مسبق بالاجازة‏،
ماذا يفعل أمام مرض ابنته؟‏..‏ هل كان يمكن التنبؤ بالمرض قبل وقوعه؟ تباطأ في تقديم ملف زميله‏ حتي تهدأ ثورة المدير‏ الذي ما لبث أن إستشاط غضبا حين لم يجد الملف علي مكتبه‏، طالبا تحويله هو الآخر للشئون القانونية‏، ظلم بين‏ لا أحد يجرؤ علي مناقشة المدير‏
في الظهيرة يتقلص رواد المقهي‏، إختاره مقعدا متهالكا مثله ليحتوي حزنه‏، ومنضدة نظفت حديثا‏‏، أشعل آخر سيجارة في العلبة التي كومها وألقي بها خارج المقهي في وجه المدير الذي تمني وجوده في تلك اللحظة‏،
يحدق في فتاة الإعلان المواجه للمقهي كأنه يريد أن يحفظ ملامحها‏، مختصرة الملابس‏، جميلة تبدو عليها آثار النعمة‏ مغسولة من الهموم والأوجاع‏،
تتسكع ذاكرته وتذوب خلف طيات الأيام ولحظات الزمن المتراكم‏، أين له بمثل هذا الوجه الأبيض مثل اللبن الحليب‏ رهيفة الملامح ؟ وذلك الشعر الناعم المنسدل‏ كأنها قادمة من أغلفة المجلات الفنية‏، لابد وأنها واجهت الكثير من إنتقادات ورفض أسرتها‏، لتكون فتاة إعلان أو موديلز‏، فهذه مهن لا يباركها المجتمع‏ لكن شجاعة الفتاة في إقناع أسرتها‏، وإقتحامها ذلك المجال‏، جرأة تحمد عليها‏ لم يعد يراها‏، أحاطت به هالة من ضباب مصفر غير صاف‏، حين باغته وجه المدير الذي غطي مساحة الإعلان، مئات الحشرات الصغيرة‏ تفترس روحه اللينة‏، موجة عاتية قذفت به نحو رمال شاطئ مجهول‏، إنتبه لصوت النادل وهو يصب القهوة في الفنجان‏، غامت المنضدة وما فوقها، شاركته القهوة السكون المطبق المقبض‏،
قرر مواجهة المدير‏ : إنه لايقل شجاعة عن فتاة الإعلان‏، كان لابد أن يأخذ بالأعذار وتحويله وزميله للشئون القانونية ظلم بين‏ !!
لا وجود لقلعة تتعرض للهجوم يوميا‏، مهما كانت حصينة إلا وتنتهي إلي السقوط يوما‏، لا يهم أن يكون الأول في بدء الهجوم‏، المهم المواجهة‏، الإستسلام للظلم‏ مهانة أشد‏، أحس وهو يغادر المقهي بأن الأحزان بدأت تفارق قلبه شيئا فشيئا‏، لم ينس أن يلوح بيديه لفتاة الإعلان التي بادلته الإبتسام وهو يغمز لها بعينيه‏، بعد أن ألقت إليه بوشاح الشجاعة‏ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق