كريستينا والثلج
قصة قصيرة
حزيران 2021
كان الثلج يهطل بكثافة بالخارج، وحركة هدوء مميتة تخيم على الحي... أضحت الدنيا بيضاء اللون، والسماء رمادية داكنة حزينة، تتوقف لحظات ثم لا تلبث أن تستأنف هطولات رقع الثلج الكبيرة... بات كل شيء في حلة جديدة، حتى أشجار الصنوبر الخضراء ارتدت ثياب العرس البيضاء، أسطحة المنازل القرميدية، كستها طبقة سميكة من الثلج، ومن أطراف السطوح تدلت نوازل ثلجية إلى الطريق، تشبه عناقيد ماسية متشابكة...
كريستينا كانت تقف خلف زجاج الغرفة التي تقطنها مع زوجها بدرو ذاك الرجل الذي يساكنها بدون زواج شرعي، شاب يعمل في أحد فنادق المدينة... بوظيفة محترمة، هاتفها زوجها وقال بأنه لن يحضر بسبب رداءة الأحوال الجوية...
ظلت جامدة تشاهد تساقط الثلج، وكم كانت تتمنى أن ترى أي انسان في الشارع لتشعر بان المدينة لا تزال بخير...أو لا يوجد هناك منع تجول، أو حجر صحي خوفاً من فيروس ما أو خلافه...
كانت تفرح حتى لو رأت كلباً في الطريق، لأنها تدرك بأن صاحب الكلب سيلحق بكلبه، وهذا سيشعرها بانها ليست الوحيدة في المدينة.
تذكرت سعادتها في بيت والديها، بينما اليوم، الضجر يقتلها ويحطم كل ما هو جميل في حياتها...
تذكرت عندما جاء بدرو يطلب يدها بعد سنوات حب طويلة...
رفض أبوها والجميع طلب بدرو، تبين لهم بان هذا العريس غير مؤهل لتأسيس عائلة، وعمله في الفندق عمل غير لائق بالنسبة لابنتهم الجامعية خريجة هندسة الديكور...
عارضت كريستين عائلتها بشدة عندما رفضوا العريس المتقدم لها... لذلك تركت المنزل وذهبت مع بدرو وساكنته بدون زواج كنسي أو حتى مدني، لأنه اقنعها انهما لا يحتاجان إلى عقود من أي نوع كانت، الحب الذي يربطهما أقوى من أي وثيقة قانونية يكتبانها...حبهما هو الوثيقة الممهورة غير قابلة للطعن اطلاقاً...
مرت سنتان على زواجهما، وهما سعداء مع بعضهما البعض...رغم تعاستها لأنها كسرت كلام أهلها.
بدرو لم يكن يسمح لزوجته أن تعمل في أي مكان، كان يقول لها أريدك دائما في المنزل، أنا اوقاتي في الفندق تتغير من يوم إلى آخر، مرة في الليل، ومرة في النهار، واحياناً في الليل والنهار... وضعي المالي جيد، الاكراميات من الزبائن سخية وكافية...لذلك لا حاجة لأن تعملي البتة. وهكذا كانت تمر الأيام رتيبة عادية...وكم كانت تترجى زوجها أن يسمح لها بالعمل خارج تلك الجدران الصادمة...
تلك الفترة تكرر غياب الزوج كثيرا لأسباب يخترعها حتى يبرر غيابه عن المنزل...
والملل نهش قلب كريستين، وفاضت بها الوحدة... وبات الضجر يسكن قلبها لحدود الألم ...لأن غياب الزوج عن البيت صار كثيرا...
مرت خمس ليالي متوالية، وبدرو لم يأتي إلى المنزل، كان يهاتف زوجته ويقول لها بان زميله في العمل غائب وعليه أن يحل محله..
وذهبت، لتزور زوجها بالفندق بعدما طفح الكيل بها، رغم إن زوجها كان يحرم عليها زيارته في عمله.
لم يكن زوجها في الفندق قالوا لها هو في منزله، والذي تبين كان أبشع مما تصورت بكثير...
بدرو زوجها حبيبها قد أهملها لأنه يساكن امرأة ثانية تعمل معه في الفندق، وهذا هو سبب تغيبه عن بيته...
تأكدت من مخاوفها بعدما اقتحمت ذاك المكان الذي يسكن فيه زوجها مع عشيقته الجديدة.
لحق بها زوجها لكنها أقسمت بألا تعود إلى بدرو. لكن أين ستذهب؟ هي على علاقة سيئة مع أهلها بعدما تركت البيت.
كانت تجهش بالبكاء وتسير بلا هدى...
شاهدت كنيسة مفتوحة، وتذكرت بانها كانت تصلي إلى العذراء التي تساعدها كلما التجأت اليها...
دخلت إلى تلك الكنيسة، جثت امام تمثال العذراء تخاطبها وتقول لها يا عذراء ساعديني، يا عذراء ارشديني...كما كنت ترشديني دائماً
راهبة كانت في الكنيسة لاحظت دموع كريستينا الباكية والشاكية....
روت كريستينا للراهبة مشكلتها مع زوجها...
طلبت الراهبة من رئيسة الدير استقبال كريستينا وخاصة هم بحاجة إلى مهندسة ديكور لتعيد تنظيم ديكورات مدرستهم...
كريستينا لم تعد إلى بيتها، رحلت وأقسمت ألا تخبر بدرو عن مكانها، وسكنت بدير الراهبات معززة مكرمة وعادت الحياة تسري في حياتها الروحية، والسعادة تسللت لتسكن في قلبها من جديد...
أعمال الديكور الرائعة في روضة أطفال الراهبات، لفتت نظر الأهالي، وصار الأهالي يطلبون من كريستينا تنفيذ ديكورات ورسومات في غرف أطفالهم ومنازلهم...
يوما بعد يوم اشتهرت اعمال كريستينا، وعادت الحياة والسعادة إلى قلبها... كريستينا كانت تتبرع بأغلب الاموال التي تكسبها إلى صندوق الدير...
طبيب المدرسة تقاعد، تعاقدت رئيسة الدير مع طبيب شاب، ابن عائلة مرموقة، وثري جدا...
سرعان ما ربط الاعجاب بين قلبه، وقلب كريستينا...
وتحول الاعجاب إلى حب، وصار الحب هو هاجس القلبين اللذين باتا لا يفترقان...يجمعهما الرباط المقدس...
وصلت فرحة كريستين إلى العالي وقد نسيت بدرو وخيانته الحقيرة...
اقامت الراهبات حفلة زواج كنسي لم تعرف المدينة بجمالها، وتمت فرحة كريستين عندما تصالحت مع أهلها، وحضروا أكليل ابنتهم، كذلك حضر ناس كبار من أهالي البلد...
ذهب العريسان إلى فندق في مدينة جبلية. شهقت كريستينا عندما شاهدت بدرو، هو الأجير الذي حمل لهم الحقائب إلى غرفتهم الفخمة، بدرو لم يتجاسر حتى النظر إلى من كانت حبيبته يوماً، كريستين أعطته إكرامية...وأخبرت زوجها بأن هذا النادل كان يوماً حبيبها...
وعرفت من عاملات الفندق، بأن بدرو هجر المرأة زوجته الثانية، وتم طرده من ذاك الفندق...لأن شكاوي عديدة تدينه يتحرش بالنساء نزيلات الفندق... وقد تم قبوله هنا تحت الاختبار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق