الثلاثاء، 23 فبراير 2021

بقلم ... الأديبة خولة الأسدي

 صورك

APK
انطلقت الزغاريد من داخل منزل شيخ القرية بالتوازي مع انطلاق الأعيرة النارية خارجه، حيث وقف الشيخ وأبنائه يودعون العريس وأهله.
_هلّا قلت لعمي كلمةً يا عيسى؟!
_والدي على حق يا صهير؛ لسنْ بناتنا من يتواصلنْ مع الرجال وإن كانوا شرعاً أزواجهنْ، أضف إلى أنه لم يتبقَ سوى شهر وتصل منزلك لتتحدثا حتى الملل!
_همممم!، حسناً.. خذا الهدية، ولا داعي لأن أتواصل بها.
_قلتُ لك يا بني.. لن نأخذ شيء.
_الرسول قبل الهدية يا عم!
_نعم الرسول قبل الهدية، لا بأس في قبولك يا أبي.
★★★
_لقد رأت أروى الصور التي اِلتقطتِها لي في حفلة عقد قراني، وتقول أنك موهوبة في فن التصوير يا هدى.
_أحقاً يا دعاء؟ هل قالت أروى ذلك؟
_نعم، أُقسم لك!
_ماذا تصنعين بهاتف أمي؟!
_عابد!، أوه.. أخفتني!
_قلت ماذا تصنعين بالهاتف اللعين؟!
_كما ترى.. أُراسل صديقتي.
_صديقتك تجعلك تبتسمين تائهة عمن حولك؟!
_!!!!
_من تكون هذه الصديقة؟
_دعاء.
_دعاء من؟!
_دعاء الشيخ.
_دعاء منصور؟!
_نعم!
_ومنذ متى تملك إحدى بنات آل الهادي هاتفاً، هاه؟!!
_لقد سمحوا لها؛ لم يتبقَ على زفافها سوى أسبوعين، كما أنها لا تتواصل بأحدٍ عداي وبضعة بناتٍ أُخر، فلِمَ العجب؟!
_وعمَ كنتما تتحدثان لتبتسمي بذلك الشكل؟!
سأل عابد شقيقته وهو ينتزع الهاتف من كفها ليقرأ المحادثة.
★★★
_مرحبا!، كيف حالك دعاء؟
صورك
APK
_من هذا الذي يعرف اسمي، ويسألني عن حالي؟!
تساءلت دعاء بسرها مُتعجبة فور قراءتها رسالة الواتساب؛ لتشعر برجفةٍ في فؤادها، وهي تُفكر بأنهُ قد يكون زوجها!
عاودت القراءة مشوشة الذهن، متساءلة عن ماهية الملف المعنون ب صورك!
هل يطلب صوراً لها، أم ماذا؟!!
قررت أن تضغط عليه لترى ما يكون الأمر، ولم تعلم أنها بضغطة الإصبع تلك فتحت أبواب الجحيم من حيث لا تدري!
★★★
_ستوافيني إلى حيث أُحدد لك، مالم فسيرى الجميع صور ابنة الشيخ منصور الهادي بكامل زينتها وتبرجها، وتصبح في كل هاتف.
_من أين أتيت لي؟! من أين؟!!؛ لماذا أنا؟!؛ ماذا صنعتُ بك؟!؛ لماذا لا تدعني بحالي؟!
_لقد كنت موجودٌ دائماً يا دعاء، لكنكِ لم تأبهي بي يوماً، لم تلفت مشاعري نظرك، أو تلحظي من عذابي شيئاً، لأنكِ نشأتِ على أن تعتبرينا كائنات لا ترقى في أحاسيسها للوصول لمستواكم يا ابنة الشيخ، لكن العدالة ستتحقق أخيراً، وستأتين إليّ طائعة.
_لن آتي؛ أُقسم أني لن أفعل أيها الوغد مهما هددت وتوعدت؛ أنا امرأة متزوجة، ولن أكون إلا لزوجي، ولن أحب سواه، فأذهب عني ومشاعرك وخيالاتك المريضة!
_أي زوجٍ هذا؟!، أُقسم لكِ أنهُ سيتركك قبل أن يتأكد من وجود الصور على مواقع التواصل!
كانت دعاء تتذكر ما دار بينها وذلك الوغد، مُفكرةً بأنه أخطأ بحق مجاهد، فهو لم يتخلَ عنها بتلك السهولة التي أوحى بها لها ذلك المأفون؛ حينما استدعاه والدها لإنهاء الأمر، وإعادة ما قدمه مع زيادةٍ كترضية لما تسببوا له به من أذية؛ لم يندفع للخلاص منها، وحاول تهدئة الأوضاع قبل أن يُدرك أنها بلغت من السوء حداً حتى الموت لم يعد حلاً شافياً له!
وها هي ذي الآن لليوم الثاني على التوالي مُلقاة في مخزن الحبوب دون طعامٍ أو شراب؛ متورمة الجسد في كل موضع؛ مشوهة الملامح؛ ميتة الروح؛ ليس فيها ما هو حي سوى عقلها الذي يعذبها بالأفكار كلما أفاقت من إغمائاتها لتسقط فيها من جديد!
وكحالها عند كل عودةٍ للوعي إليها.. تناهت لسمعها هذه المرة أيضاً أصوات بكاءٍ، ونواحٍ، وصراخٍ، وضجيجٍ لأطفالٍ، ونساءٍ، ورجال.
هي تعلم أنهم لن يتركوها لتموت جوعاً، وتأكلها الفئران، فقد سمعتهم يقولون أنهم سيغسلون عارهم أمام الملأ، ليعلم الجميع أن شرف آل الهادي سيظل ناصعاً ولو اقتضى الأمر غسله بالدماء!
هي تعلم أنها ستموت، وتعلم أن أمها وشقيقاتها ينبدنها منذ انتشرت الصور، ووصل أمرها لأشقائها، ووالدها الذي أُصيب بشللٍ نصفيٍ لفوره؛ لكنها لا تعلم سر تلك الأصوات التي تكاد تُقسم أنها سمعتها ولم تتخيلها رغم ضعفها العام؛ نعم كانت أصوات مُشيعين!، فهل ماتت ولا تدري؟!
تساءلت دعاء بسرها، غير عالمة أن والدتها قد سبقتها لتكون في انتظارها عند مغادرتها لهذا العالم الظالم!
★★★
_أممممممه، آههههههه..
_قفي جيداً أيتها العاهرة؛ وأنتِ اسرعي واحكمي تغطيتها يا ابنة ال***
صرخ عيسى بزوجته المُرتعشة الأعضاء، الباكية العينين التي كانت تساعده في لف دعاء المتألمة بالعباءة، ليسوقها إلى حيث لا عودة!
دفعها أمامه مُتعثرة بإعيائها، وعينين لا تريان لشدة انتفاخهما، وإدراكٍ أوهى مما لسكرانٍ مبتدئ احتسى رطلاً من خمرٍ مُعتقة!
لكنها سمعت صراخ شقيقاتها رغم كل ذلك، فقد كان من القوة كدلو ماءٍ باردٍ أُهرق على نائم!
اقتادها شقيقيها، يتقدمهم الثالث دافعاً كرسي والده المٌتحرك، وسط عويل النساء والصغار الخائفين.
_يا دعااااااااااء؛ يا ربي دعاء لااااااااا؛ لااااااا يا ربي لااااااااااا؛ يالللللللللللله؛ أعيدوا أختي أيها القتلة؛ أعيدوا دعاااااااء!
_فلتفرحي يا أمي فصغيرتك قادمة لتؤنس وحشتك!، دعاء قادمة يا أمي فكوني بانتظارها...
استمر الندب، والصراخ وشد الشعور داخل المنزل المحظور على نسائه وصغاره مغادرته، أو صعود سطحه، أو فتح إحدى نوافذه!
وخارجه احتشد آلاف الناس، من عشرات القرى، لتضيق بهم الوديان والأسطح، والجبال المُحيطة بالقرية الصغيرة؛ وفي ميدانها الذي امتلأ بآل الهادي جميعاً.. تقدم الشيخ وأبنائه الثلاثة يدفعون أمامهم هيكلاً أسود!
ثبتوه أمام أنظار الجميع، لتكون الرؤية واضحة لكل من حضر المشهد العظيم، لتتسنى لهم حكايته لأحفادهم مستقبلاً بتفاصيله الدقيقة، وهم يمجدون شجاعة أبناء الشيخ، وسمعة آل الهادي!
وقف أشقائها الثلاثة ووالدها، يحيط بهم من الجانبين كبار آل الهادي، فيما عيسى شقيقها الأكبر يقول:
_سيشهد هذا الميدان، وتشهد هذه الجموع لكل من تسول له نفسه يوماً ذكر آل الهادي بسوءٍ.. أنهم أشرف الناس، وأبعدهم عن السوء، وأن سمعتهم ستظل ناصعة، ولو اقتضى الأمر غسلها بالدم ألف مرة، فلن يتهاون رجال آل الهادي عن فعل ذلك.
ارتفعت أصوات التأييد بحماس، ورفع الأشقاء الثلاثة أسلحتهم.
ومترنحة الوعي والمشاعر.. وقفت دعاء المثبتة إلى العمود الخشبي خائرة الفؤاد والقدمين، وهي تنظر بإتجاه أشقائها وأسلحتهم المشهورة في وجهها!
★★★
ارتفع الصراخ في منزل الشيخ بالتوازي مع انطلاق الأعيرة النارية خارجه، وسقطنْ شقيقات الضحية وبعض النسوة مغشي عليهنْ، فيما أُصبنْ البقية بحالةٍ هستيريةٍ من العويل!
وسمعتهم دعاء وهي تفارق الحياة!
سمعت أصوات التكبيرات التي ضجت بها وديان القرية، وجبالها فرحاً بمقتلها!
صرخوا بحماسٍ:
_الله أكبر!
ورددت روحها خلفهم:
_نعم.. الله أكبر، منكم، ومن تقاليدكم الظالمة؛ نعم.. الله أكبر، منكم، ومن عدلكم القاصر؛ الله أكبر على من ظلم وتجبر؛ نعم.. الله أكبر!
★★★
_الله أكبر؛ الموت لكاسرات الظهور؛ الموت لجالبات الهم والعار؛ الله أكبر؛ يحيا الشيخ منصور وأبنائه!
_عابد!، ما بك؟! ماذا أصابك؟!، يا إلهي ماذا دهاك؟، لماذا ترتعش هكذا؟!، صفرة الأموات تعلو وجهك!، يالك من فتىً ضعيف القلب!
_أريد العودة إلى المنزل يا عمار؛ لا أستطيع الوقوف؛ أشعر بضيقٍ في التنفس؛ أكاد أختنق؛ ساعدني أرجوك.
صرخ عابد لاهثاً بشهقاتٍ متتابعة، وهو يجثو على ركبتيه، ويضرب صدره بكفيه في محاولةٍ يائسةٍ للتنفس!
_يا إلهي! يبدو أنك تعاني من فوبيا الأصوات العالية، فما إن انطلقت التكبيرات حتى خررت أرضاً؛ هيا دعني أساعدك في العودة.
وقف عابد مُرتعش الكيان وهو يقول لصديقه بسره:
_بل أعاني من نظرة عينيها؛ لطالما عانيت، ويبدو أن نظرتها الأخيرة لن تفارقني ما حييت؛ لقد نظرت إليّ؛ أكاد أُقسم أنها فعلت رغم بعد المسافة، والورم الذي أحاط بعينيها الجميلتين!
أنت لم تشاهد ما شاهدته بالمنظار المكبر؛ لم ترَ تلك النظرة التائهة رعباً يا عمار؛ أنت لم ترَ يا صديقي، لم ترَ!
_هل لا زلت تكن لها شيئاً من مشاعر الطفولة يا عابد؟؛ أ هذا سبب ما أصابك؟؛ لا زلت تحبها؟
_لا تكن أحمق؛ ساعدني في الوصول إلى المنزل، وتوقف عن التفوه بالتفاهات.
رد عابد بحدة، وبداخله صوتاً يصرخ:
_وهل من الحب أن يؤذي المُحب محبوبه يا صديقي؟!
لقد قدتها لأبشع ميتةٍ عُرفت، فأين الحب من قلبي الأناني، ورغباتي الحقيرة؟!!، أين الحب مني؟!
ثلاثاء/2021/2/23م
1:50صباحاً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق