الخميس، 4 فبراير 2021

بقلم ... الأديبة تورية لغريب / من روائعها // في الرحلة //

 في الرحلة ....

اتخدت مكانا نائيا في اقصى عربة القطار ، تهالكت في مكانها المخصص كوردة سقطت من مزهرية مكسورة ، و تحت نظارتها السوداء تخفي حصيلة شرخ غائر في روحها المكلومة ، تحرك القطار ببطء و هو يبتلع الطريق ، يبتلع المسافات و يختصر مرورالسنوات ، تنهدت بعمق و هي تلقي براسها فوق المقعد باسترخاء ، تعيد شريط الذكريات ...نفس الطريق ..نفس المسافة لكنها وحيدة هاته المرة ، هي فقط و ضجيج الذكريات ...
كان القطار على غير عادته : ركاب قليلون و صامتون حد الجمود ...سألت نفسها : كيف لهؤلاء ألا يسمعوا ضجيجي ؟ نحيبي ؟ و تأوهاتي ؟
كل ما حولها، يوحي بأن الحياة تسير بشكلها العادي ..إلا هي ، كانت خارج السرب تنسج كفن آخر مشهد من حكايتها القديمة ..
فتحت حقيبتها ، و أخرجت تذكرة العودة ..ناولتها للمراقب في استسلام ، تفقدها ثم أمعن النظر مليا في تقاسيمها اليائسة و أكمل المسير ...
في المقعد المقابل كان يجلس شاب عشريني ، كان يلهو بهاتفه غير آبه لشيء و بجانبه امرأة أخرى بدت في الثلاثينيات ، رائحة عطرها كانت تعبق في المكان ، تتكلم في الهاتف بصوت غنج ، و بلهجة عربية اخرى.... من ضمن حديثها السوقي ، و الذي تخللته نظرات الركاب إليها ، سؤالها عن مكان السهر ، و نوع الخمر و المقابل المادي !!....
في الجهة الموازية من نفس العربة ،جلس شيخ طاعن في السن كان يستغفر بصوت خافت أحيانا و عال أحيانا أخرى و عيناه تجول في المكان كأنه يرفض في صمت كل ما يراه ...
وصل القطار إلى آخر محطة في الدار البيضاء فنهضت السيدة من مكانها بلباس الحداد الأبيض و بخطى متثاقلة ، غير آبهة بأحد ، عدلت هندامها بحركة سريعة و تخطت كل الجلوس تقصد باب الخروج ، سارت وراءها المرأة الثلاثينية بلباسها الضيق الذي يرسم تضاريس جسمها الممتلىء و هي لا تزال تتحدث في الهاتف ثم سار خلفها الشيخ الطاعن في السن ، تحاشا أن يلامسها و هو ينزل متكئا على عصاه و يستغفر...
أما آخر الركاب فكان ذلك الشاب العشريني الذي يبدو أنه خارج هذه التصنيفات ...إنه من جيل التكنولوجيا الحديثة .
تورية لغريب / المغرب
قد تكون صورة لـ ‏شخص واحد‏
Dena Abuzenh
٣ تعليقات
أعجبني
تعليق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق